عبد الوهاب الشعراني

191

تنبيه المغترين

البشاشة ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : بشاشتهم للسائل وعدم نهرهم له وحملهم له على أنه ما سأل إلا لحاجة ، وقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام يقول : من رد سائلا خائبا لم تغش الملائكة بيته سبعة أيام ، وفي الحديث [ لولا أن بعض المساكين يكذب ما أفلح من رده ] ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : إن اللّه ليخول العبد في نعمته وينظر ماذا يصنع فيها مع عباده فإن وفاهم ما طلبوا وإلا حولها عنه ، فلذلك كان السلف يعزمون على أصحابهم ويشددون عليهم في أنهم لا يردون ما أعطوه لهم . وكان عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه تعالى يقول : أول من انتبه من رقة الغفلة حبيب العجمي رحمه اللّه تعالى وذلك أنه اشتهى يوما سمكا فلما أتى به إلى منزله ووضعه في القدر جاءه سائل فرده فحول اللّه تعالى السمك دما فاتعظ بذلك وخرج عن جميع ماله ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى ينشرح إذا رأى سائلا على بابه ويقول مرحبا بمن جاء يغسل ذنوبي ، وقد كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : نعم السائلون يحملون أزوادنا إلى الآخرة بغير أجرة حتى يضعوها في الميزان بين يدي اللّه تعالى . وقد كان إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى قبل زهده في الدنيا إذا جاءه السائل يدخل إلى عياله ويقول لهم : قد جاءكم رسول المقابر فهل توجهون إلى موتاكم شيئا من الصدقة ، وكان أنس بن مالك رضي اللّه عنه يقول : جاء سائل في مسجد في زمان بني إسرائيل يسأل فلم يكترث به القوم فمات فجهزوه وصلوا عليه ودفنوه ، فلما رجعوا إلى المسجد وجدوا الكفن موضوعا في المحراب وإذا مكتوب عليه هذا الكفن مردود عليكم والرب ساخط عليكم ، وكان معاذ بن جبل رضي اللّه تعالى عنه يقول بغضاء اللّه في أرضه سؤال المساجد ، أي لكونهم يسألون الناس في بيته غيره سبحانه وتعالى ويتسببون في مقتهم بعدم إعطائهم ما سألوا منهم . وقد قيل للحسن البصري رحمه اللّه تعالى إن الفقراء والمساكين قد كثروا وهم يسألون فمن نعطي منهم ، قال : أعطوا ما وجدتم في قلوبكم رأفة له ، وقد كان أبو الأسود الدؤلي رحمه اللّه تعالى يقول : لو أطعنا السؤال في أموالنا لكنا أسوأ حالا منهم . ( قلت ) فينبغي للمتصدق أن يبقى لنفسه ولعياله شيئا ولا يتصدق إلا بما فضل عن حاجاتهم ، وقد دخل سالم بن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهم الحرم يوما فرأى هشام بن عبد الملك